الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

58

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بِالْوَحْيِ عطف استئناف على استئناف لأن التذييل من قبيل الاستئناف . والتعريف في الصُّمُّ للاستغراق . والصمم مستعار لعدم الانتفاع بالكلام المفيد تشبيها لعدم الانتفاع بالمسموع بعدم ولوج الكلام صماخ المخاطب به . وتقدم في قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ في [ سورة البقرة : 18 ] . ودخل في عمومه المشركون المعرضون عن القرآن وهم المقصود من سوق التذييل ليكون دخولهم في الحكم بطريقة الاستدلال بالعموم على الخصوص . وتقييد عدم السماع بوقت الإعراض عند سماع الإنذار لتفظيع إعراضهم عن الإنذار لأنه إعراض يفضي بهم إلى الهلاك فهو أفظع من عدم سماع البشارة أو التحديث ، ولأن التذييل مسوق عقب إنذارات كثيرة . واختير لفظ الدعاء لأنه المطابق للغرض إذ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم داعيا كما قال : أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ [ يوسف : 108 ] . والأظهر أن جملة وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ كلام مخاطب به الرسول صلى اللّه عليه وسلم وليس من جملة المأمور بأن يقوله لهم . وقرأ الجمهور وَلا يَسْمَعُ - بتحتية في أوله ورفع الصُّمُّ - . وقرأه ابن عامر ولا تسمع - بالتاء الفوقية المضمومة ونصب الصُّمُّ - خطابا للرسول صلى اللّه عليه وسلم . وهذه القراءة نص في انفصال الجملة عن الكلام المأمور بقوله لهم . [ 46 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 46 ] وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 46 ) عطف على جملة قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [ الأنبياء : 45 ] والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي أنذرهم بأنهم سيندمون عندما ينالهم أول العذاب في الآخرة . وهذا انتقال من إنذارهم بعذاب الدنيا إلى إنذارهم بعذاب الآخرة . وأكد الشرط بلام القسم لتحقيق وقوع الجزاء . والمسّ : اتصال بظاهر الجسم . والنفحة : المرة من الرضخ في العطية ، يقال نفحه بشيء إذا أعطاه .